الأخبار العقارية والاقتصادية

عمل الفلسطينيات في المستوطنات

يعد عمل النساء في المناطق الصناعية الاسرائيلية والمستوطنات، ظاهرة تزايدت تدريجيا في السنوات الأخيرة، ورغم عدم وجود احصائية محددة وواضحة لأعداد العاملات الفلسطينيات في المستوطنات، إلا أن المؤشرات توضح تعرضهن للاستغلال المادي بأشكاله المختلفة والاحتيال، وتزداد ظروف العاملات قسوة في ظل عدم وجود مظلة قانونية يمكن أن تقيهن إصابات العمل أو توفر لهن مستحقاتهن. وتتنوع الأسباب الكامنة خلف انتشار “عمالة ذوات الأيادي الناعمة” في المصانع الاسرائيلية، لكن الثابت هو الدافع القسري لمعظمهن.

(م.ع) اسم مستعار لإمرأة تبلغ من العمر 55 عاما، وهي أم لثمانية أولاد، اكبرهم (22 عاما) يدرس في احدى الجامعات الفلسطينية. زوجها يعمل في مطبعة ويتقاضى 1500 شيكل شهريا، أما باقي الأولاد فهم على مقاعد الدراسة الابتدائية والثانوية. تقول الحاجة التي فضلت عدم الكشف عن هويتها: “راتب زوجي لا يكفي لكامل متطلبات الحياة الأسرية، وقدمتُ طلبا سابقا للشؤون الاجتماعية، ولم أحصل على أي مساعدات أو مستحقات مالية، بحجة أن زوجي موجود ويعمل”.

تقطن العائلة ذات العشرة أنفار في إحدى قرى محافظة سلفيت في منزل صغير مكون من غرفتين تتقدمه ساحة صغيرة. ويعاني الزوج من مرض في الغضاريف وأجرى عمليتين، ويتغيب عن عمله بكثرة وأصبح معاشه لا يكفي لعلاجه، أمام كل هذه الظروف وجدت الحاجة (م.ع) نفسها مجبرة على العمل في منطقة “أريئيل” الصناعية، الموجودة في كبرى مستوطنات الضفة الغربية.

تتحدث الحاجة عن يوميات عملها: “اخرج من البيت الساعة الخامسة والنصف لكي أتمكن من الوصول في الموعد المحدد بالمصنع، ويبدأ عملي من الساعة السادسة صباحا وحتى السابعة مساء، أعمل في مصنع تصليح ملابس أي مخيطة، وأتقاضى راتبا مقداره 4600 شيكل شهريا”.

وتتتحدث الحاجة عن واقع العمل في المستوطنات، مشيرة الى ان من يعملن بالمستوطنات يتعرضن للاستغلال سواء كان بالمبلغ الذي يحصلن عليه مقابل أجرهن، أو التحرش أو الإهانة وسوء معاملة من قبل العمال أو ارباب العمل

(أم أحمد) من أحد مخيمات نابلس وتبلغ من العمر (46 عاما) مطلقة وأم لأربعة أطفال، تركهم طليقها وفرّ إلى الاردن، ولا يوجد معيل للعائلة سوى مصروف الشؤون الاجتماعية كل أربعة أشهر. تقول أم أحمد: “أعمل في مستوطنة بركان ابتداء من الساعة 6 صباحا وحتى الساعة 5 مساء، وذهبت إلى هناك بسبب عدم كفاية مصروف الشؤون للأسرة، ووفر لي العمل في المستوطنة مقاول عربي أو ما نسميه بـ(المنهيل)، وهؤلاء المعلمين العرب يقبضون نصف رواتبنا غير راتبهم من مسؤول العمل الاسرائيلي”.

تواصل أم أحمد: “المصانع يشرف عليها رب العمل المشغل اليهودي الى جانب مشرف عربي مسؤول عن العمال، والمصنع الذي أعمل به يوجد فيه اختلاط بين الجنسين، كان في المصنع مسؤول عربي أو منهيل من احدى قرى سلفيت وبقي مسؤولا لأكثر من 6 سنوات، والمنهيل العربي يستغل العمال وخاصة العاملات حيث يأخذ منا مبلغا من المال مقابل كل يوم، هذا غير الراتب الذي يأخذه من المشغل اليهودي”.

وتوضح أم أحمد أن العمل كان جيدا في البداية، ثم أصبح يتراجع يوما بعد الآخر، وأصبحت الاولوية في العمل بالمصنع للبنات اليافعات ولمن يتقن اللغة العبرية من النساء، أما بقية العاملات فإن بقاءهن مرهون بضغط العمل وطلبيات الانتاج فقط، ولا يعملن إلا لفترات مؤقتة.

تتابع أم أحمد سرد حكايتها التي تعد نموذجا من حكايات النساء اللواتي يعملن في المستوطنات والمناطق الصناعية الاسرائيلية: “في الفترة الأخيرة كان ممنوع علينا أن نحضر سكاكين أو أدوات حادة معنا، حتى خلال العمل كل شيء مراقب، وذلك نظرا للأحداث الأخيرة وتزايد عمليات الطعن في المستوطنات”.

تبيّن أم أحمد، أنها أنهت العمل في المصنع بسبب وفاة المسؤول العربي، ووضع فتاة مكانه تبلغ من العمر 25 سنة، حيث بدأت تضيّق على النساء الكبار في السن، الأمر الذي اضطرها للجلوس في البيت وترك العمل”.

الأسباب الحقيقية…

يرى مختصون ان من اسباب انتشار ظاهرة عمل النساء في المستوطنات هو ضنك العيش، وتفاقم الوضع المعيشي، وارتفاع نسبة البطالة وتزايد معدلات الفقر، كما أن قرب المستوطنات من القرى والبلدات والتجمعات الفلسطينية يشجع النساء على العمل فيها.

ويؤكد هؤلاء ان ارتفاع الأجور يعد دافعا قويا لعمل النساء داخل المستوطنات والمناطق الصناعية، حيث أن العمل هناك يدر دخلا ماليا أكبر من العمل بمناطق الضفة الغربية والمناطق الفلسطينية بأضعاف مضاعفة، ورغم ذلك يشير الى وجود استغلال معروف وواضح للنساء داخل المستوطنات، حيث أن أجورهن أقل بكثير مقارنة مع العمال الرجال.

ويشير باحثون الى ان غياب القوانين عن عمل النساء يؤثر سلبيا على أجواء العمل، فمعظم المستوطنات والمناطق الصناعية تستقبل العمال غير الشرعيين وفق العرف الاسرائيلي، وذلك بناء على وجود علاقة بين سمسار فلسطيني او “منهيل” وبين المشغل الاسرائيلي، حيث أن الطرف الاسرائيلي يكون غائبا تقريبا عما يجري، وكل ما يهمه هو انتاج المصنع والتواصل فقط مع السمسار الذي يعتبر الممثل لكافة عمال المصنع ويدير شؤونهم المختلفة، وهنا لا يوجد تعويضات عن اصابات العمل، ولا يوجد مستحقات ولا أي شيء، والسبب في ذلك بسيط هو عدم شرعية العمل كما قلت، فلا يوجد مستندات ثبوتية للعامل”.

وبحسب الخبيرة الاجتماعية فاتن ابو زعرور، فإن النساء عند العمل في المستوطنات يتعرضن للاستغلال المادي والاستغلال في لقمة العيش، وحتى الإهانات، لكنهن يتحملن ذلك في سبيل الحصول على مصدر رزق غير متوفر في مناطق سكناهن.

وتشير ابو زعرور إلى أن الاهانات قد تصل للتحرشات اللفظية والجنسية، مؤكدة وجود مثل هذه الحالات لكن دون رصد احصائيات دقيقة لها، وتحذر أبو زعرور من خطورة عمل الأطفال داخل المستوطنات، حيث أن بعض النساء يشجعن أطفالهن على التسرب المدرسي وترك الحياة الدراسية من أجل الانضمام للأم في العمل بالمصانع الاسرائيلية.